ابن الجوزي

154

أخبار الظراف والمتماجنين

قال محمد بن إسحاق : قيل لعمر بن عبد العزيز « 1 » : إن في المدينة مخنثا قد أفسد نساءها فكتب إلى عامله أن يحمله إليه ، فحمل فأدخل عليه فإذا شيخ خاضب اللحية والأطراف معتجر « 2 » فدخل ومعه دف في خريطة « 3 » . فلما وقف بين يدي عمر صعد فيه النظر وصوبه ثم قال : سوأة لهذه السن ، وهذه القامة . ثم قال له عمر : أتحفظ من المفصل شيئا ؟ قال : نعم . وما المفصل ؟ قال : ويلك أتقرأ من القرآن شيئا . قال : أقرأ « الحمد » وأخطىء فيها موضعين أو ثلاثا ، وأقرأ « قل أعوذ برب الناس » وأخطىء فيها ، وأقرأ « قل هو اللّه أحد » مثل الماء الجاري . قال : ضعوه في الحبس ، ووكلوا به معلما يعلمه القرآن وما يجب عليه من الطهارة والصلاة وأجروا عليه كل يوم درهما وعلى معلمه ثلاثة ، ولا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع . فكان كلما علّم سورة نسي التي قبلها فيعث رسولا إلى عمر : يا أمير المؤمنين وجه إلي من يحمل إليك ما أتعلمه أولا فأولا فإني لا أقدر أن أحمل . فقال عمر : ما أرى هذه الدراهم إلّا لو أطعمناها جائعا أو كسونا بها عاريا كان أصلح . ثم دعا به فقال : اقرأ « يا أيها الكافرون » فقال : أسأل اللّه العافية أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شر ما فيه وأصعبه ، فأمر بوجيء عنقه « 4 » ونفاه . قال المبرد : قدم بعض البصريين من أصحاب أبي الهذيل « 5 » بغداد وقال :

--> ( 1 ) عمر بن عبد العزيز بن مروان : الخليفة الصالح ، والملك العادل . توفي سنة 101 ه . ( 2 ) اعتجر بعمامته : لفّها على رأسه . ( 3 ) الخريطة : كيس من جلد يوضع فيه المتاع . ( 4 ) وجأ عنقه : ضربها . ( 5 ) أبو الهذيل : هو محمد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي ، مولى عبد القيس ، أبو الهذيل العلّاف ، من أئمة المعتزلة . اشتهر بعلم الكلام . كان حسن الجدل قويّ الحجة ، سريع الخاطر . توفي بسامراء سنة 235 ه . ( راجع ترجمته في وفيات الأعيان 1 : 480 ؛ ولسان الميزان 5 : 413 ؛ ومروج الذهب 2 : 298 ؛ وتاريخ بغداد 3 : 366 ؛ وأمالي المرتضى 1 : 124 ؛ ودائرة المعارف الإسلامية 1 : 416 ؛ ونكت الهميان : 277 ؛ والأعلام 7 : 131 ) .